أبي حيان الأندلسي

685

البحر المحيط في التفسير

وقرأ الأعمش : ومن يؤته الحكمة ، بإثبات الضمير الذي هو المفعول الأول : ليؤت ، والفاعل في هذه القراءة ضمير مستكن في : يؤت ، عائد على اللّه تعالى . وكرر ذكر الحكمة ولم يضمرها لكونها في جملة أخرى ، وللاعتناء بها ، والتنبيه على شرفها وفضلها وخصالها . فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً هذا جواب الشرط ، والفعل الماضي المصحوب : بقد ، الواقع جوابا للشرط في الظاهر قد يكون ماضي اللفظ ، مستقبل المعنى . كهذا . فهو الجواب حقيقة ، وقد يكون ماضي اللفظ والمعنى ، كقوله تعالى وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ « 1 » فتكذيب الرسل واقع فيما مضى من الزمان ، وإذا كان كذلك فلا يمكن أن يكون جواب الشرط ، لأن الشرط مستقبل ، وما ترتب على المستقبل مستقبل ، فالجواب في الحقيقة إنما هو محذوف ، ودل هذا عليه ، التقدير : وإن يكذبوك فتسلّ ، فقد كذبت رسل من قبلك ، فحالك مع قومك كحالهم مع قومهم . قال الزمخشري : وخيرا كثيرا ، تنكير تعظيم ، كأنه قال : فقد أوتي أيّ خير كثير . انتهى . وهذا الذي ذكره يستدعي أن في لسان العرب تنكير تعظيم ، ويحتاج إلى الدليل على ثبوته وتقديره ، أي خير كثير ، إنما هو على أن يجعل خير صفة لخير محذوف ، أي : فقد أوتي خيرا ، أي خير كثير . ويحتاج إلى إثبات مثل هذا التركيب من لسان العرب ، وذلك أن المحفوظ أنه إذا وصف بأي ، فإنما تضاف للفظ مثل الموصوف ، تقول : مررت برجل أي رجل كما قال الشاعر : دعوت امرأ ، أيّ امرئ ، فأجابني * وكنت وإياه ملاذا وموئلا وإذا تقرر هذا ، فهل يجوز وصف ما يضاف إليه ؟ أي : إذا كانت صفة ، فتقول : مررت برجل أيّ رجل كريم ، أو لا يجوز ؟ يحتاج جواب ذلك إلى دليل سمعي ، وأيضا ففي تقديره : أي خير كثير ، حذف الموصوف وإقامة أي الصفة مقامه ، ولا يجوز ذلك إلّا في ندور ، لا تقول : رأيت أي رجل ، تريد رجلا ، أي رجل إلّا في ندور . نحو قول الشاعر : إذا حارب الحجاج أيّ منافق * علاه بسيف كلما هزّ يقطع يريد : منافقا ، أي منافق ، وأيضا : ففي تقديره : خيرا كثيرا أيّ كثير ، حذف أي الصفة ،

--> ( 1 ) سورة فاطر : 35 / 4 .